محمد بن أحمد الفاسي
40
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
بسم اللّه الرحمن الرحيم . ربّ أعن يا كريم ، إن رأى الشيخ الأجل العالم العلامة ، أدام اللّه توفيقه ، أن يجيز جميع مسموعاته وإجازاته ورواياته ، وما ألفه في فنون العلم ، وأنشأه من المقامات والرسائل والشعر ، لأحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني ، ويذكر مولده ونسبه ، إلى أعلى أب يعرفه ، ويثبت كل ذلك بخطه تحت هذا الاستدعاء ، مضافا إليه ذكر ما صنفه ، وذكر شيوخه الذين أخذ عنهم ، وما سمع عليهم من أمهات المهمات ، حديثا كان أو لغة أو نحوا أو بيانا فعل مثابا ، وإن تم إنعامه بإثبات أبيات قصار ، ومقطوعات ، مستفادة في الحكم والأمثال والزهد ، وغير ذلك من نظمه ، ومما أنشده شيوخه من قبلهم ، أو من قبل شيوخهم ، بعد تسميته كلّا منهم ، وإضافة شعره إليه . والشرط في كل هذا ، أن يكون بالإسناد المتصل إلى قائله ، كان له الفضل . وكذلك إن أصحبه شيئا من رواياته ، وأنعم بكتب أحاديث عالية ، واللّه تعالى يوفقه ويحسن جزاءه ، ويطيل لنشر العلم والإفادة بقاءه . ويعلم وفقه اللّه تعالى ، أنه قد وقع إلينا كتاب من يعقوب بن شيرين الجندي إليه ، وفيه قصيدة يرثى بها البرهان البخاري ، والحاجة داعية إلى معرفة اسمه ونسبه وضبطه ، هل هو ابن شيرين بالشين المعجمة ، أو بالسين المهملة ، وكذلك الجندي ، بفتح الجيم والنون ، أو ضم الجيم وإسكان النون بعدها ، والحمد للّه حق حمده ، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وعبده ، وعلى آله وأصحابه أجمعين من بعده ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل . فأجابه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، اللهم غفرا ، أسأل اللّه أن يطيل بقاء الشيخ العالم ، ويديمه لعلم يغوص على جواهره ، ويفتق الأفئدة عن ذخائره ، ويوفقه للعمل الصالح ، الذي هو من أعراض العقل ، ومطمح أبصار المرابطين إلى غايات الفضل ، ولقد عثرت من مقاطر قلمه ، على جملة تتأدّى على غزارة بحره وتصبى القلوب إلى الدين بسموط دره ، وأما ما طلب عندي ، وخطب إلىّ من العلوم والدرايات ، والسماعات والروايات ، فثياب خلقت علىّ من بينهن الثياب ، ثم دفنتهنّ وحثوت عليهنّ التراب ، وذلك حين آثرت الطريقة الأويسية على سائر الطرائق ، وأخذت نفسي برفض الحجب والعوائق ، ونقلت كتبي كلها ، إلى مشهد أبي حنيفة ، فوقفتها وأصفرت منها يدي إلا دفترا ، قد تركته تميمة في عضدي ، وهو كتاب اللّه الحبل المتين ، والصراط المبين ، لأهب ما قعدت بصدده كلّى ، وألقى عليه وحده ظلى ، لا يشغلني عنه بعض ما يجعل الرأي مشتركا ، ويرد القلب مقتسما . ولذت بحرم اللّه المعظم ، وبيته المحرم ، وطلقت ما ورائي بتّا ، وكفتّ ذيلى عنه كفتا ، ما بي إلا همّ خويصتى ، وما يلهينى إلا النظر في قصتي ، أنتظر داعى اللّه صباحا ومساء ، وكأني بي وقد امتطيت الآلة الحدباء قد وهنت العظام